منظمة التحرير: الإصلاح أم التغيير؟ - المقدمات الأساسية
أكرم عوض*
الثلاثاء 17 شباط 2009
صمود المقاومة الفلسطينية الأخير في الحرب الإسرائيلية على غزة والتأييد منقطع النظير الذي لقيته تلك المقاومة في كافة أصقاع الأرض في مقابل تحميل بعض قيادات منظمة التحرير لحماس وفصائل المقاومة مسؤولية الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، كلّ ذلك أحيى مجدداً الدعوات المطالبة بتصحيح الوضع الفلسطيني الأشمل. الشرارة الأولى أطلقها السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس حين صرّح بأن قوى المقاومة تتداول "بناء مرجعية وطنية تمثل الداخل والخارج وتضم جميع قوى وتيارات شعبنا وشخصياته الوطنية". هذا التصريح لقي ردود فعلٍ متباينة كان من أبرزها اتهام أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الأردنية عمان لخالد مشعل بالانقلاب على منظمة التحرير الفلسطينية "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني".
أتوقف في هذا المقال عند بعض المسائل والإشكاليات المتعلقة بمنظمة التحرير الفلسطينية وصولاً إلى السؤال الجوهري: هل المطلوب إعادة إحياء منظمة التحرير بعد أن ترهلت وتحولت إلى هيكل مفرغ، أم إن الحاجة باتت ملحة لاستبدال المنظمة بمرجعية فلسطينية جديدة بعد أن فقدت الأولى وزنها السياسي فلسطينياً ودولياً وباتت "عقبة" في وجه مشروع المقاومة؟
لست هنا بصدد الخوض في دوامة السجالات الفلسطينية-الفلسطينية المستمرة منذ انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني/يناير عام 2006، إلا أن التقاط بداية الخيط من تلك السجالات قد يكون فرصةً مثلى لتصحيح كثيرٍ من المغالطات الدارجة على ألسن السياسيين ومدخلاً جيداً لفهم الخلفيات السياسية والتاريخية لأزمة المنظمة اليوم.
شرعية منظمة التحرير
أبدأ بمسألة حماس وعدم اعترافها بشرعية منظمة التحرير. فالمتنفذون في فصائل منظمة التحرير -أو أكثرهم على الأقل- درجوا على اتهام حركة حماس بإنها لا تعترف بتلك الشرعية، والحقيقة أن هذا الاتهام –إن صدق بالمطلق- يضع إخلاص حماس للقضية الفلسطينية وترفعها عن المصالح الفئوية موضع مساءلة، لكن استقراء مواقف الحركة وتصريحات قيادييها في هذا الشأن يقلب الطاولة تماماً على من يتهمون حماس أنفسهم ويوجه أصابع الاتهام ذاتها لكلّ من يصرّ على اعتبار منظمة التحرير –في وضعها الحالي- ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني.
ينصَ النظام الأساسي للمنظمة الملحق بالميثاق الوطني الفلسطيني على أن "الفلسطينيين جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقاتهم وكفاءاتهم والشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة"، فشرعية منظمة التحرير كممثلٍّ وحيدٍ للشعب الفلسطينيّ شرعيةٌ مكتسبةٌ من كون قاعدتها ممثلة بالشعب الفلسطيني بأكمله وبالتالي تنتفي تلك الشرعية حين تكون المنظمة ممثلةً لجزءٍ من الشعب –كبر هذا الجزء أم صغر-.
وبما أننا لا نستطيع حتى توثيق أبسط التفاصيل فيما يتعلق بآخر انتخاباتٍ حقيقية للمجلس الوطني الفلسطيني –الهيئة العليا الممثلة للشعب في المنظمة- تشارك فيها كافة أطياف الشعب الفلسطيني بالاقتراع المباشر فإنّ المجلس الحالي وكلّ المجالس السابقة التي لم تتشكل بانتخابات فعلية تصبح تلقائياً فاقدةً لشرعيتها، وما ينطبق على المجلس الوطني ينسحب على كلّ تشكيلات المنظمة الأدنى منه في التراتبية والمسؤولة أمامه كاللجان المركزية أو التنفيذية للمنظمة.
حماس وسلطة المنظمة
هذا يصل بنا إلى المغالطة الثانية: إذا كانت حماس لا تعترف بشرعية المنظمة فكيف لها أن تعترف ضمناً بالمنظمة وقراراتها بخوضها انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني –أحد أضلع السلطة الوطنية التابعة لمنظمة التحرير حسب اتفاقية أوسلو التي أقرتها المنظمة كذلك-؟ مراجعة سريعة لتصريحات قادة حماس وبرنامجها الانتخابي لا تدع مجالاً للشكّ بأنّ الحركة لم تدخل الانتخابات اعترافاً بشرعية السلطة أو أوسلو أو المنظمة، وأنها التزمت بعدم الاعتراف بأوسلو حتى اللحظة –وأصرت على عدم تفسير عبارة "احترام" الواردة في وثيقة الأسرى المعدّلة عام 2006 على أنها إقرارٌ بشرعية الاتفاقات التي التزمت بها منظمة التحرير-.
أما لماذا خاضت حماس تجربة الانتخابات التشريعية فهو سؤالٌ حماس وحدها تستطيع الإجابة عنه بدقة، لكنّ الأغلب أنّ حماس دفعت دفعاً إلى تلك الانتخابات لسحب البساط من تحت ما اعتبرتها سلطة فاسدة أرهقت فلسطينيي الضفة وغزة واستهدفت مقاومتهم للمحتل، ويكفي استذكار حقيقتين لتبرير هذا الاستنتاج: الأولى أن حماس نجحت بأصوات المنتسبين لفتح –ممن سئموا فساد سلطة فتح- قبل أصوات قاعدتها الشعبية، والثانية أن وزير الداخلية في حكومة الوحدة هاني القواسمي –وهو شخصية مستقلة عانت حماس الأمرّين قبل قبول حركة فتح بتسميته وزيراً بعد رفض الأخيرة لائحة طويلة من المرشحين للوزارة- برر أسباب استقالته بعد أسابيع من تولي منصبه بأنه لا يمكنه إدارة قوات أمنٍ تأتمر بأمر بعض قيادات فتح وتتلقى أوامر صريحة من تلك القيادات بعدم الانصياع لأيّ تعليمات من قبل الوزير.
حين ندقق في السطور الأخيرة يمكننا فهم ما جرى في غزة في حزيران/يونيو 2006 –بمنطق حماس- على أنه استكمالٌ لاجتثاث فساد السلطة وحماية مشروع المقاومة كما خوّلها ثلثا الشعب في الضفة الغربية وقطاع غزة –بمنطق حماس أيضاً-.
وبغضّ النظر عن حسابات الخطأ والصواب فيما جرى، فإنّ ما يهمّنا هنا هو أنّ "انقلاب" حماس على الأجهزة الأمنية للسلطة في غزة جاء تأكيداً ضمنياً على أن حماس لا تزال ملتزمة بعدم إقرارها بشرعية المنظمة أو السلطة وأجهزتها، ثم تلاه تصريحٌ بالنوايا في خطاب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في مهرجان الذكرى العشرين لتأسيس الحركة حين دعى رئيس السلطة آنذاك محمود عباس إلى الاتفاق على حلّ السلطة ما دام ذلك يضمن عدم عودة من تعتبرهم حماس زمرةً فاسدةً في السلطة.
تنازلات الشعب حق الشعب
لنلتقط هنا مغالطةً أخرى: المصالحة الوطنية وربطها برفع الحصار الإسرائيلي العربي الدّوليّ عن قطاع غزة. والمغالطة هنا مزدوجة إلم تكن متعددة الأوجه. فلا يخفى على أحدٍ أنّ هذا الربط موصولاً باتهام حماس بأنها السبب في إفشال الحوار الفلسطيني –قبل الحرب الأخيرة على غزة- واستمرار الحصار مراده الضغط على الحركة لتقديم تنازلاتٍ في موضوع المقاومة تحديداً. ما يدركه الساسة تماماً ويتناسونه في خطاباتهم هو أن حماس لا تملك تقديم أيّ تنازلات على حساب الشعب الفلسطيني –وهو ما تدركه حماس وتتعامل مع الحوار الفلسطيني على أساسه-.
يخطئ من يعتبر فوز حماس بثلثي مقاعد المجلس التشريعي تفويضاً من الشعب الفلسطيني، فالمجلس جزء من "سلطة" محلية لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة تختص بإدارة شؤونهم المحلية ولا تملك بأيّ حالٍ من الأحوال سلطة اتخاذ القرار بالنيابة عن الشعب الفلسطيني –ولا ينفي هذا بالطبع حقيقة أن نتائج الانتخابات عبّرت عن المزاج السياسي العام في الضفة وغزة-، فمن صوتّ لحماس أقليّة من الشعب وليس الشعب.
وما ينطبق على حماس ينطبق على السيد محمود عبّاس، فحين يلقّـب محمود عبّاس بـ"الرئيس الفلسطيني" فهذا إنكارٌ لغالبية الشعب الفلسطينيّ وحقّه في تقرير أجندته ومصيره، فالسيد محمود عبّاس لا يعدو كونه رئيساً لسلطةٍ محليّة انتخب بأصوات أقليّة من الشعب الفلسطيني ولا يحقّ له بأيّ حالٍ من الأحوال تقديم أيّ تنازلاتٍ تخص الحقّ الفلسطينيّ ولا يحق له التحدث باسم الشّعب ما لم يخوّله غالبية عشرة ملايين فلسطيني في الداخل والشتات هذا الحقّ.
وخلاصة هذه المسألة أن على جميع الأطراف الفلسطينية والحكومات العربية والغربية أن تكفّ عن تعليق استمرار الحصار على شمّاعة تعنتّ حماس، فليس لأحد أن يقدّم تنازلاً –سواءً في موضوع المقاومة أو غيره- سوى الشعب نفسه عبر مرجعيّةٍ تمثّل كافة أطيافه خير تمثيل.
المصالحة الوطنية أم التمثيل الشعبي؟
أقف عند مسألة المصالحة بين فتح وحماس. الحقيقة إنّ اللغط المصاحب للخطاب السياسيّ في هذه المسألة ينمّ عن استخفافٍ بعقل المواطن الفلسطيني والعربيّ، ذلك أنّه من الجليّ أننا نتحدّث عن برنامجين متناقضين تماماً، بل ووصل حدّ التناقض بينهما إلى تبرير إشهار السلاح في وجه الآخر بل وتحميل الطرف الآخر مسؤولية الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وبالتالي فإنّ الحديث عن نقطة التقاء بين البرنامجين كلامٌ في الهواء لا قيمة له، ناهيك عن إنّ المصالحة بالصيغة المطروحة –ومنها مقترح اتفاق القاهرة الثاني عام 2008 المسمى المشروع الوطني الفلسطيني- لا يمكن أن تفهم إلا اتفاقاً بين الفصيلين على برنامج سياسيٍّ موحّد يعمل به على الأرض. المصيبة تكمن في أن أيّاً من الفصيلين لا يملك –كما فصّلنا سابقاً- حق تحديد البرنامج السّياسيّ للشّعب الفلسطيني بأسره ولا حتى لشعب الداخل –لإنه من المحتوم أن أيّ وقائع على الأرض ستأثّر على مسار حركة التحرر الوطني بأكمله-.
من الخطأ إذن تصوير المصالحة الوطنية على أنّها توافق في الأفكار والأهداف والوسائل وأن الأمر إما وفاقٌ أو فراق. مفهوم المصالحة الوطنية لا بدّ أن يتمحور حول التوافق على تشكيل مرجعيةٍ حقيقية ممثلةٍ للشعب الفلسطيني والتزام كافة الفصائل والقوى الفلسطينية بقرارات تلك المرجعية. يحقّ عندئذٍ لكل من فتح وحماس أن تتشبثّ بأفكارها ومعتقداتها، لكن كلّ ما تملكه الحركتان بعد ذلك هو التقدّم بأطروحات سياسية لهيئة وطنّية فلسطينية منتخبة –كالمجلس الوطني الفلسطينيّ نموذجاً- والسعي إلى إقناع ممثلي الشعب بصحة وجدوى تلك الأطروحات –إلى جانب غيرها من الأطروحات المقدّمة من فلسطينيي الداخل والشتات-، وللهيئة وحدها أن تقرّ أجندة تحرير الوطن استناداً إلى واحدةٍ أو أكثر من تلك الأطروحات.
من المفيد في هذا الصدد التعريج بسرعة على اتفاق القاهرة الأول لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية الموقع في آذار/مارس عام 2005. فبغضّ النّظر عن حسن نوايا الفصائل أو بعضها لتقويم منظمة التحرير فإنّ أيّ اتفاقٍ يلتفّ على أساس شرعية المنظمة وهو تمثيلها للشعب بأسره - ومن هذا الاتفاق على تمثيل هذا الفصيل أو ذاك في المنظمة ولجانها- لا يعدو كونه ترقيعاً جزئياً للمشكلة وتصويباً مؤقتاً للخلل بخلل أكبر منه على المدى البعيد –ولك أن تأخذ تبعات اتفاق الطائف على أزمة الرئاسة اللبنانية الأخيرة مثالاً-، فالمحاصصة بين الفصائل لم تكن يوماً جزءاً من روح المنظمة أو مبادئها عند تأسيسها عام 1964. الخلل الواقع في المنظمة لم يكن يوماً خللاً في ميثاقها أو نظامها الأساسي، بل على العكس تماماً هو خللٌ مردّه الخروج عن ذلك الميثاق، فعندما باتت مؤسسات المنظمة واجتماعاتها محافل للتصفيق والتهليل ليس أكثر وعندما افترضت حفنة من الشعب أتيح لها التفرّد بالمنظمة قبولَ الشعب سلفاً بخياراتها وتجاوزت الشعب في أكثر القرارات مصيرية فيما يخصّ مسيرة الكفاح الوطنيّ الفلسطيني من أجل الحرية، عندها أصاب العطب المنظمة في صميمها ووضعت العصا في دولاب النضال الشعبي الفلسطيني بمعناه الحقيقي كنضالٍ يتبنّاه الشعب –كلَّ الشعب-.
شرعية أوسلو ومسؤولية المنظمة
وما اتفاقية أوسلو وما تلاها من تأسيسٍ للسلطة إلا نتاجٌ لهذا العطب والخلل في منظمة التحرير، فلو وضعنا جانباً عصبياتنا الحزبية وانتماءاتنا السياسية فلا أخال اثنين يختلفان على أن قيام السلطة قد أخذ من الشعب أضعاف ما قّدم له، ولعلّ أثمن ما سلبته أوسلو والسلطة من الشعب الفلسطيني كنزان حرص لعقودٍ أن يصونهما: وحدته الوطنيّة، وروح النضال والثورة والتحرر. الأولى ديست بالأقدام حين استحلّ الأخ أخاه –مالاً وعرضاً ودماً- ليكسب رضى الأسياد ويعضّ على كرسيّ الحاكم بأمر المحتلّ، والثانية خبت حين زاحمتها ملاهي الحياة ومشاغلها، وبدل أن يتحملّ المحتلّ مسؤولياته أمام الشعب الرازح تحت الاحتلال داخ الشعب بين احتلالين: إسرائيل والدنيا –ولعلّ الروح قد بدأت تعود للثورة مجدّداً عبر أنفاق غزة-.
من الظلم اتهام منظّمة التحرير بأّنها من أتى بأوسلو والسلطة، فالمنظمة ومؤسساتها آنذاك كان قد مضى عليها دهرٌ وهي مدفونة في الباحة الخلفية للقضية لا نسمع منها وعنها إلا بقدر ما يخبرنا الأوصياء عليها بين الفينة والأخرى لتطمئنّ قلوبنا إلى أن في المنظمة بقيّة من رمق.
ومع ذلك فلا يحقّ لي أو لغيري أن يخوّن ياسر عرفات وأكثر رفاقه أو يشكّك في وطنيّة الرجل وإخلاصه بسبب ما آلت إليه حال المنظمة تحت قيادته، لكن تاريخ القضية الفلسطينيّة سيظلّ يذكر بأسىً أن استحواذ فردٍ واحدٍ ومن هم في دائرته الضيقة على كيان الشعب، وسلب الشعب –بقصدٍ أو بغير قصدٍ- حقّه في تقرير مصيره وتحمّل مسؤولياته في تحديد المسارات التي يريد سبرها على طريق التحرير كلّف الشعب الفلسطينيّ حتى اليوم ما يقارب العقدين من الزمن، خطا فيهما بعض المناضلين خطواتٍ للأمام، ولكن مسيرة الشعب بالمجمل تجمّدت مكانها إن لم تكن تقهقرت خطواتٍ للوراء –حتى معركة الفرقان الأخيرة في غزة على الأقل-.
إذا كان مبدأ التخوين خطأً واتهام المنظمة ظلماً فمن يتحملّ إذاً مسؤوليّة أوسلو وما آلت إليه القضيّة الفلسطينيّة؟ سأسمح لنفسي هنا بأن أدعي بأنّ على الشعب الفلسطينيّ بأسره أن يقبل تحمّل هذه المسؤولية. ومنطلقي لذلك أنّ الشعب الفلسطيني في أغلبه –شأنه شأن معظم شعوب العالم الثالث- استسهل توكيل حفنة من الساسة بتقرير مصيره ومن ثم استساغ ذمّ هؤلاء واتهامهم بالفساد والخيانة والعمالة.
صحيح أن شعب الضفة وغزة كسر القاعدة بالتصويت ضد أوسلو مرّتين: الأولى بإطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000 والثانية في انتخابات سلطة أوسلو ذاتها عام 2006، إلا إن تلك الخطوة جاءت متأخرة كثيراً. صمت الشعب –أغلب الشعب- على التفرّد بإدارة منظمة التحرير أعطى ياسر عرفات انطباعاً وهميّاً بأنّ الشعب راضٍ عن أداء المنظمة، فحين أجاد عرفات صفّق الشعب له، وحين أخفق صفّق له كذلك، والتصفيق في عرفنا علامة قبولٍ لا تقبل الشكّ، فكيف كان يمكن لعرفات أن يشكّ لبرهة بأنّ كلّ ما أحاط به كان وهماً ليس أكثر؟! قد يبدو هذا تبسيطاً ساذجاً للمشهد، لكنّ استقراء التاريخ ومتابعة المشهد اليوم يدفعني أكثر إلى التصديق بأن ذلك التبسيط ليس بعيداً بالمطلق عن الحقيقة.
توهّم عرفات أنّه الشّعب –ولذلك مبرّراته كما أسلفت-، وحين أرهق النضال عرفات ظنّ أنّ الوهن قد أصاب الشّعب بأسره، فأراد أن يستريح ويريح معه الشعب، والراحة بلغة النضال تسليم بالهزيمة وتذللٌّ للعدوّ وقبولٌ بأقل القليل في مقابل نومةٍ هانئة بدون طنين الطائرات ودويّ المدافع ورصاص البنادق. وليس مهمّاً ما إذا كان من مصلحة الشّعب القبول بالراحة على هذه الشّاكلة، المهمّ هنا هو أنّ الشعب –عبر منظمة تحرير شرعية- كان لا بدّ أن يكون صاحب الرأي الأوّل والأخير في هذه المسألة وهو ما لم يحصل في أوسلو –وهذا أصلٌ في نقض شرعيّة أوسلو وتبعاتها-.
يقول البعض إن انفقاء فقاعة الوهم التي أحاطت بعرفات هو ما أشعل انتفاضة الأقصى، ويستنتج آخرون أن انطلاقة الانتفاضة هو ما أيقظ المارد داخل عرفات وأعاده مناضلاً صلداً لم يقبل بغير الشهادة بديلاً عن الحريّة، المهم أن عرفات استيقظ في اللحظة الأخيرة وأدرك –ولو متأخراً- أنّ التعب بلغة النضال يلحقه تسليمٌ للراية لمن يرعاها لا تسليم للعدوّ بحقّ الشعب، والشعب هو من استلم الراية من عرفات وتابع مسيرة نضاله بانتفاضة الأقصى.
لا ندري إذا كان دعم عرفات للانتفاضة في آخر أيامه مباركة ضمنية لحل السلطة والانقلاب على أوسلو وتبعاتها، لكن ما لا شكّ فيه أنه كان أقرب إلى القبول بأنه في مسيرات التحرر الوطني لا عيب في العودة إلى المربع الأول متى اقتنع الشعب بأنَ مسيرة الألف ميل قد انحرفت عن مسارها وقادته إلى غير هدفه – هدف الحرية.
منظمة التحرير: التغيير أم الإصلاح؟
السجال الدائر حالياً يدور حول تصريحات رئيس المكتب السياسي لحماس بشأن ضرورة تشكيل مرجعية فلسطينية جديدة وإصرار آخرين على أن لا شرعية لغير منظمة التحرير مرجعية وممثلاً للشعب الفلسطيني. والحقيقة أن التدقيق في المشهد السياسي –مع الأخذ بالمقدمات سالفة الذكر- لا بدّ أن يرشد القارئ إلى أن الأمر لا يعدو كونه تلاعباً بالألفاظ وحسب، وأن استبدال المنظمة أو إصلاحها رديفان لعملية واحدة لا متناقضين.
فإصلاح المنظمة يعني تصويب الخلل من جذوره، أي إعادة تشكيل هيئاتها ابتداءاً بهيئة الشعب أو المجلس الوطني الفلسطيني من خلال اقتراع مباشر لكافة أطياف الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. أما استبدال منظمة التحرير فيعني قيام كيان جديد يكون أساسه تمثيل الفلسطينيين كافة ليكسر احتكار فئة محددّة على هيئات المنظمة الحالية، أي أن أيّ كيان جديد لا بد لكي يكون له أيّ شرعية أن يقوم على الأساس الذي قامت عليه منظمة التحرير من حيث أن "الشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى" له وعلى الروح ذاتها التي انطلقت منها المنظمة "قيادةً معبئة لقوى الشعب العربي الفلسطيني لخوض معركة التحرير، ودرعاً لحقوق شعب فلسطين وأمانيه، وطريقاً للنصر." أي أن الفرق بين منظمة التحرير الفلسطينية –بصورتها الأصلية بدون تنقيح- وأي كيانٍ جديد لا يجوز أن يتعدى التفاصيل الثانوية إلى الخطوط العامة، بعبارة أخرى: النقاش حول أولوية إصلاح المنظمة أو استبدالها بمرجعية جديدة تفصيل ثانويٌّ بحدّ ذاته لا يجب أن يحيد بالساسة عن الموضوع الأساس وهو أن وجود المنظمة بوضعها الحالي أو عدمه سيّان، وأن إصلاح الخلل يستلزم حلاً جذرياً يستأصل أسباب عطبها.
مرجعية الشعب وإعادة تعريف مفهوم الخيانة
متى تحقق للشعب الفلسطينيّ تشكيل مرجعيّته الوطنية -على أساس حقّ كلّ مواطنٍ فلسطينيّ في اختيار من يمثله- يصبح بإمكانه إدارة الدّفة في وجه أعتى العواصف السياسية والعسكرية، وعندها تعرض الخلافات الفلسطينية-الفلسطينية في مكانها الطبيعي أمام ممثلي الشعب. عندها يقرر الشعب بشأن التمديد لرئيس السلطة أو إجراء انتخابات مبكرة للمجلس التشريعي لفلسطينيي الضفة وغزة أو حل السلطة أو إبقاءها أو استمرار المفاوضات مع الكيان الصهيونيّ أو إيقافها أو استمرار المقاومة أو تجميدها.
قد نتفق أو نختلف مع ما سيقرّه ممثلو الشعب الفلسطينيّ حينئذ، المهمّ أن المصلحة الوطنية ومسيرة الكفاح الشعبي تلزمنا جميعاً بأن نقبل بخيار الشعب وأولوياته وإن اختلفت فئة مع تلك الخيارات والأولويات. مفهوم الخيانة ساعتها لا يصبح مرتبطاً بالتحاور مع العدو أو إطلاق الصواريخ، بل بالخروج عن الإجماع الشعبي والخيار الوطني الفلسطينيّ.
خاتمة
أتفهّم تماماً ما سيخطر ببال كثيرين من أن مجرّد التفكير بقدرة الشعب الفلسطيني في كافة أطياف الأرض على ممارسة حقّه في انتخاب هيئة ممثلة له جنونٌ لا مكان له في واقعنا المتردّي اليوم، ولا أنكر قطعاً أن تشييد الفكرة تحفـّه صعاب جمّة، ولعلّ آخر كلمات مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري في آخر كتاباته قبل وفاته عام 1980 تكون رداً شافياً لكلَ من لم يسعفه رصيد الأمل لديه لتقبـّل الفكرة. يقول الشقيري:
"ربّ قائل يقول: هذا خيال رائع وجميل.. لا يعدو أن يكون قد ألقى ظلاله على أوراق معدودات، أجل: لا ضير من الخيال والأوراق، فهكذا بدأ كل شيء في الحياة، وكل حركات التحرير في التاريخ بدأت هكذا.. بالخيال والأوراق.. وبعدها انتقلت إلى الميدان.. ومن الميدان إلى النصر.."
* كاتب وباحث فلسطيني

